الأحد 19 فبراير 2017 11:48:08 صباحاً - القاهرة
home contact

بقلم/ د. عبد الولي الشميري 
الإثنين 22 إبريل - نيسان 2013م

شروخ في جدار الوطن  «29» 

عندما سمع رؤساء الأنظمة العربية عن مسمى الديموقراطية وأنها ضمان لشرعية الحاكم، ودليل على حداثة النظام وأن الغرب يدعم الأنظمة الديموقراطية ويدافع عنها- هناك: تحول الحكام العسكريون العرب المشهورون بالديكتاتوريات والاستبداد؛ إلى اعتناق اسم الديموقراطية، والشعبية، والانتخابات الصورية، وكل منهم يردد اسم الديموقراطية كل يوم وليلة أكثر من ذكر الله، ولبسوا من الشعارات الديموقراطية كل الأثواب، وفصلوا نسخة معربة من الديموقراطيات التي تسمح لهم بالبقاء في السلطة عقودا من الزمن، ويرددون شعارات الديموقراطية التي تعني تناوب السلطة، ولكن في الواقع يتناوبها الحاكم العسكري نفسه وإن مات فمع أولاده فقط. تلك هي الديموقراطية التي يلوكها الحكام العرب صباحا وعشية، وصدقوا أنفسهم أن الغرب قد اقتنع بهذه الديموقراطية، ولكن ما إن هبت رياح التغيير الشعبي في ثورات الربيع العربي حتى كشف الغرب عن قناعته، وسماهم حكاما ديكتاتوريين وطاغوتية، وتخلى عنهم وهم من اكثر حكام العالم طاعة وتبعية له، وكذلك تماما هي قضية المرأة العربية، التي يتباهى الحكام العرب بأنها شريك في الحكم، وعضوة لمجالس الوزراء، ووزيرة في الشئون الاجتماعية وحقوق الإنسان، إن المرأة بلا شك تمثل أكثر من نصف المجتمع عددا، وأصبحت المرأة تحمل الشهادات الجامعية والعليا، ومنهن الطبيبات والمهندسات، والقانونيات وغير ذلك، ولكن هل أصبح فعلا أن الفكر السياسي العربي في الأنظمة الحاكمة يمتلك قناعة بأن المرأة العربية قد أصبحت جديرة بالمشاركة الحقيقية لأخيها الرجل في صناعة القرار، وفي إدارة الوزارات السيادية وفي تكنولوجيا الحياة الإدارية، لأن مفهوم مشاركة المرأة في الحياة العامة لدى الأنظمة العربية هي شكلية لاسترضاء الغرب، والتملق لمآرب ودوافع مشبوهة، وليس للعدالة الاجتماعية التي تراعي الكفاءات، والمواهب والقدرات والتخصصات في المرأة، ولذلك نرى أن هناك مقاعد مألوفة ومحددة مثلها مثل ترتيب مقاعد المقيل في ديوان الشيخ كحصة للنساء، ومهما حاولت المرأة العربية التطلع إلى مراكز القرار والوصول لسدة المنافسة للرجل على مراكز قيادية فاعلة فستمنى محاولاتها بالفشل: وذلك للأسباب الجوهرية التي غالبا ما تصاحب عالم المرأة، ومنها: 
1 -عدم الإنفاق الخاص لتأهيل المرأة من خلال بيوت خيرة، ومن خلال دورات تدريبية على شئون القيادة والإلمام التاريخي بدور المرأة العربية عبر العصور التليدة وتأثيرها في تاريخ الحكم إيجابا، وتجنيبها أخبار تلك الأدوار الغامضة والمشبوهة التي وردت في كتب التاريخ العربي الإسلامي في العصر الأموي والعباسي والتركي، وكذلك أخبار دورها في التاريخ الفارسي، والتاريخ القيصري، تلك القصص والأخبار التي كثيرا ما تركز على الكيد والمكر وحبك الدسائس في القصور الملكية، وظهورها بشكل المحارب في ردهات القصور بأنوثتها البحتة فقط، فتلك الأخبار والقصص لا تقل غرسا في نفوس المجتمع عن المسلسلات الغرامية التي من نسج خيالات الروائيين، وبالتالي فالمرأة التي نتحدث عن دورها الريادي في شراكة أخيها الرجل في إدارة شئون الدولة والوطن والمجتمع، هي غير تلك التي نراها في المسلسلات والقصص، بل هي تلك التي كانت لنا في التاريخ اليمني القديم والوسيط: ملكتان عظيمتان يضرب بهما مثل القدوة والأسوة مثل: الملكة بلقيس زعيمة اليمن وقائدة جيوشه في عصر الرسالة السليمانية، قبل ثلاثة آلاف سنة تقريبا، كما تحدث عنها القرآن الكريم، وكذلك الملكة السيدة أروى بنت أحمد الصليحية ملكة اليمن في العصر الوسيط، التي حكمت اليمن أكثر من أربعة عقود من الزمن بصورة مباشرة وغير مباشرة، ولها من المناقب والسير ما يلوي عنق التأريخ، ناهيك في العصور الحديثة عن نساء من أمم أخرى، قدن شعوبا تعداد سكانها يفوق المليار نسمة وفيه الف لغة، والف ديانة، مثل السيدة الهندية أنديرا غاندي، والسيدة الصهيونية جولدا ماير التي تمثل عند المسلمين اسما مكروها لكنها في قومها ودولتها تمثل أسطورة بطولية، تولت رئاسة قيادة إسرائيل وقادت حروبها ضد العرب في أحرج وأحلك الظروف، وهزمت بقيادتها الفولاذية أربع دول عربية في وقت واحد، وسودت وجه عشرين زعيما عربيا كانوا يدعون البطولة، والسيدة مارجريت تتشر البريطانية المرأة الحديدية التي كانت أقوى من وقف وراء وأمام إسقاط جيش العراق، وقادة جيش بلدها بتعصب أشد من هتلر. وأمثالهن كثيرات في العالم. 
2 -عدم الرضا عن أنموذج قطاع المرأة وقيادة المرأة لمثيلاتها من بنات جنسها مهما كانت الفوارق العلمية والطبقية، فكل منهن ترى عدم استحقاق الأخرى لصوتها مالم يكن صوتها موجها بشكل إيدلوجي فكري، أو مصلحي، أو وصولي. 
3 -نظرة المجتمع الذكوري وعقيدته الموروثة بأن المرأة وإن تأهلت علميا فهي ضعيفة لا تقوى على ما يقوى عليه الرجل، ناهيك عن آخرين يرونها ناقصة عقل ودين. دون علم بالمفهوم الحقيقي لمعنى هذا النقص غير المشين، الملازم لفسيلوجية النساء النفسية والصحية. 
4 -التفكير الخاطئ في عالم الذكور عن الطبيعة العاطفية للمرأة، وتحوير هذه الصفة لاتجاهات غرائزية بحتة، لذلك سمعنا ورأينا في بعض الدول انتقائيات خاطئة في تصدير بعض النساء العربيات مواقع ذات شأن، بينما أصبحت المرأة المؤهلة ذات الكفاءة والعلم والقدرات تجد من هي دونها قد سبقتها إلى مكانها المفترض؛ لأنها لا تتمتع بالخصائص والسلوكيات التي تتناسب مع متطلبات الرجل سيد القرار وليس من بينها الكفاءة والعلم والمواهب. 
5 -البنية الفكرية الموروثة في المجتمع العربي المختلطة بمزج العادات والأعراف القبلية القديمة، مع صبغ بعضها بالنقول الضعيفة وتحميلها النصوص الدينية، ومعظمها أدلة سماعية ضعيفة لا تمت لأدلة الدين الصحيحة بصلة. 
6 -عدم وجود سلطة رقابية صارمة على تطبيق شروط قبول طالب الوظيفة، وخضوعه للمعاير والمواصفات التي تحددها القوانين واللوائح المشهرة، سواء منها ما يخص الرجال أو ما يخص النساء على حد سواء، واستبدلت بالسلطة المطلقة لمن بيده الصلاحيات في أن يقبل ويرفض، بالوساطة، وبالرشوة، وبالمحسوبية، وبالشللية، وبالحزبية، وبالمناطقية، وبالضغوط، ولذلك لم نجد أي قريب أو صديق لمسئول يعمل في صناعة قرار التوظيف قد رفض طلبه، أو أعيد إليه ملفه، وأصبحت الوظائف وراثية للأقارب أولا، ثم للوساطات المدعومة، وللأكثر رشوة إلى غير ذلك، ولا ثقل للمؤهلات والخبرات إلا ما كان منها مدعوما بمن يتبناها بإحدى وسائل القبول السابقة، ولو كانت الشهادات تملأ الملف، 
أما الشهادات فلا تعتبرُ 
 مالم يكن للعلم فيها أثرُ 
وإنما صاحبها المؤتفكٌ 
 حتى ولو أمضى عليها الملك 

ولذلك نجد أن منافسة ملف المرأة التي ليس لها قريب ولا وسيط ولا رشوة ولا قدر كاف من الاستعداد لاستمالة صاحب القرار؛ لن تتمكن من الحصول على القبول وإن قبلت فلن تترقى مهما كانت مؤهلاتها إلا أن تدفع ما هو أغلى وأثمن. وهذه الخيانة للوظيفة العامة وسوء استغلالها يعتبرها العالم المتحضر من أكبر الجرائم وأشدها عقوبة لأنها تمثل خيانة للدولة وللمجتمع وللمستقبل، ناهيك عن وجود أعداد هائلة من المتعلمات القادرات على بناء المجتمع والمشاركة الفاعلة لبناء الأوطان، لا يملكن حيلة ولا وسيلة لمنحهن فرصة الخدمة فهن يقبعن وراء الأمل المفقود، ويبغضن كل شيء في الوطن، وتذرف أعينهن من الحاجة والعوز. فمتى يقام للوطن ميزان العدالة والرقابة الصارمة وطهارة الضمير. 

واغرب ما سمعت أن إحداهن تتقدم بملف يحمل مؤهلاتها العالية فيرفضها ذلك الفاشل ولكن عندما أذهلته بمواهبها وكفاءتها طلب أن تتعاقد معه للعمل الشخصي بمكافأة يومية لتعمل على جهاز الكمبيوتر إنترنت ضمن طابور ممن سبقنها لممارسة مهنة الردود الساخرة واللاذعة والشتائم على من يهاجمونه ويعرون خيانته على مواقع الفيس واليو تيوب، ثم يعرض عليها مكافأة مغرية، واعتبر ذلك السيد أنه حل مشكلتها المالية، في الوقت التي هي أشد بغضا وازدراء له أكثر ممن يعرون خياناته على الشبكة الإلكترونية. 

وأسوأ ما رأيت أن بعض القنوات الدينية الحكومية والموازية تعتمد مفتيات فقيهات يفتين على الشاشات وهن لا يفقهن من الفقه شيئا، ولا يتجردن من نوازع التعصب الأنثوي للذات في فتاوى الأحوال الشخصية والعلاقات الزوجية، وتعكس النصوص وتحرف الأحكام والقواعد الشرعية، ولو كانت من محكمات القرآن الكريم، وتسقط أنوثتها وغيرتها على مضمون الفتوى، وتلوي عنق الفتوى لهوى الحاكم ولقوانينه الوضعية، لقاء راتب أو مكافأة مالية، وهذه الصورة المزرية والأنموذج الضعيف شوهت بفقه وبكفاءة المرأة، وشككت في قوتها على إظهار الحق تبعا لهواها.
 
أما بعد: 
لا بد من إعداد لقيادة الدولة وريادة المجتمع من تأهيل وتدريب، وتفنن في بناء النفوس والعقول والقلوب والأخلاق، سواء منها المرأة أو الرجل، بدءاً بالشباب من الجنسين، وإقامة مراكز تأهيل وتدريب وتربية تتناسب مع متطلبات الطموح لبناء الدول والأوطان، ولا بد من عقوبات صارمة لتحيد العجزة المعتقين في أجهزة الدولة الذين لا يرقبون إلاً ولا ذمة في وطن ولا في مستقبل. فالمرأة مدرسة وأم وقائدة مجتمع وبانية وطن، فلا بد من الإنفاق على تعليمها وتأهيلها وتدريبها وحماية جوهرها كما قال حافظ: 
والمال إن لم تدخره محصنا 
بالعلم كان نهاية الإملاق 
والعلم إن لم تكتنفه شمائل 
تعليه كان مطية الإخفاق 
لا تحسبن العلم ينفع وحده 
 مالم يتوج ربه بخلاق 
من لي بتربية النساء فإنها 
في الشرق علة ذلك الإخفاق 

shemiry@shemiry.com