السيرة الذاتية في وسائل الاعلام مقدمة الكتاب التعازي مراثي صوت وصوره
مقدمة كتاب عن الفقيد عبد الوراث فرحان الشميري
مولاي رحماك هذا سيدي وأبي الذي نشأت بعينيه رعاية، ورحمة وبرا، أسألك بنورك الذي أشرقت به الظلمات، وصلح به أمر الدنيا والآخرة، أن ترحمه؛ رحمة عامة ورحمة خاصة، تليق بك، كما كان يرحمني، وأن تتغمده بواسع برك وعطفك جزاء ما كان يتعطف علي، ويبرني، وأسألك له من خير ماسألك عبدك ونبيك محمدٌ صلى الله عليه وسلم، لنفسه، وللصالحين من أمته، وأسألك بحقك عليك أن تتغمده بواسع رحمتك في قبره ويوم حشره، وأن تسكنه علياء جناتك،
أللهم إني أشهد بين يديك لعبدك هذا الذي أنت تعلم حاله في رمسه، ولا أزكيه عليك، ياعالم السر وأخفى، بأنه كان عبدا يحبك ويعلمني حبك، ويأمرني أن أحبك، وبين يدي عشرات من رسائله التي كان يبعثها إلي من مهجره في بريطانيا، وأنا دون سن البلوغ يوصيني بطلب العلم الشرعي، وإحياء الربانية، ويشدد على أداء صدقة السر وإبلاغ رسائله المالية لفقراء القرية وذوي الأرحام، دون أن يعلم أحد. وكان يصوم يومي الإثنين والخميس من كل أسبوع، ويصوم الثلاث البيض من كل شهر قمري، وكان في ظلمة الليل له ساعات من القيام بين يديك، بين سجود وتلاوة وذكر، كان عبادة لا يمل ولا يفتر من صلوات النوافل وأدء الفروض في الجماعات، وكان يقضي صيامه في مكة المكرمة ويجاور في المدينة المنورة، ويعتكف حتى يؤدي الحج عدد سننين. وماكان شديد الحزم في تربيتي إلا عندما يلهيني اللعب عن حفظ وتجويد القرآن الكريم.
لقد رأيته خلال عقد ونصف من أواخر عمره المبارك؛ يتجرع الآلام المستديمة ويعاني الأوجاع، وما كان أصبره على البلاء، محتسبا لا يشكو لأحد مابه من ألم، بل يتجلد ويكثر الحمد والشكر،
لقد كان مدرسة خاصة من التواضع ونكران الذات، يتفانى في خدمة الأهل والناس من يعرف منهم، ومن لا يعرف. وخاصة البسطاء والمساكين، ويحذرني من الشعور بــ (الأنا) ويدربني على حب الناس، وخدمتهم.
في إحدى شدائد اليمن كان الأباء يحذرون أبناءهم من ولوج الحروب، والتعرض للموت، ويلتمسون لفرار أبنائهم الأعذار، وكان أبي يثبتني ويوصيني بالإقدام، ويكثر من زياراتي في الميدان، ويوصيني بالذكر والصبر، ويذكرني بقول القائل:
أي يومي من الموت أفر يوم لا يقدر لا أرهبه يوم لا يقدر أم يوم قدر ومن المقدور لا ينجو الحذر
ومازالت رسائله التي تحثني على الهجرة إلى مدينة زبيد اليمنية، لطلب العلم الشرعي ويقدم لي من أجلها العطايا والمزايا، تمثل أجراسا ترن في أذني حثا على أن لا أتوقف عن الطلب من المهد إلى اللحد، لقد كانت بواكير طفولتي - التي يفترض أن لا تكون بعيدة عن دار الأم وملاعب الأتراب - خاضعة لرؤية والدي رحمه الله؛ صوب المستقبل، إذ كان يقذف بي من شيخ علم إلى شيخ علم لأتلقى العلم تارة على يد سيدي السيد عبد السلام محمد الحداد، في قرية الحقيل أطال الله عمره، ومرة إلى سيدي السيد عبد الجليل بن غالب النهاري، في قرية الحضونة، رحمه الله. ومرات أخر لمدينة زبيد حين كانت زاهية بالعلماء الأجلاء الذين كان والدي يحبهم ويعدهم باأسمائهم عدا، ويسألني برسائله هل تتلقى على يد السيد المفتي محمد بن سليمان الأهدل رحمه الله ونجله العلامه محمد، وهل لك في علوم اللغة لدى السيد محمد بن علي البطاح، ثم ماذا تدرس وفي أي كتاب على السيد العلامة أحمد بن داوود البطاح، رحمهم الله جميعا وهل صلتك بكتاب كذا وكتاب كذا متينه وماذا حفظت في متون الآداب وعلم السلوك. أما عن وصاياه بالأخذ عن العلامة الفقيه عبد الرقيب بن حامد الشميري رحمه الله الذي كان مرجع الفقه والفتيا بشمير لا أحصيها عدا.
جلت مناقب أبي أن أحصي بعضها في هذه الصفحات، الوجيزات، ولكنها إشارات على استحياء وفاء ببعض حقه، وقد ثوى في عالم الصمت، لعلها تبلغه عني فنحدث بعضنا عنها يوم اللقاء.
لقد أدركت ماكان لوالدي بعد رحيله من الكرامات ومنها أن أكثر من ألف رسالة خطية، وزهاء ثلاثة ألف رسالة من رسائل الهاتف المحمول، ومئات من قصائد الرثاء، وعشرات من سرادقات التأبين، والنشر على صفحات الجرائد والمجلات، وليس من أبناء اليمن فقط، بل من عدد من دول العالم العربي، من شتى فئآت المجتمعات، شاطرتني الحزن وقدمت العزاء. ولهم مني وعن والدي الراحل صادق المحبة.
إنني أتهرب من شعر الرثاء والحزن، في دووايني الشعريه، وكلما عنَّ لي خاطرٌ لنوح راحل أو ندب حبيب، أحاول التهرب والتسويف حتى ينقلني الحزن إلى حزن جديد، ولكن رحيل العلامة الفقيه عبد الرقيب بن حامد أستاذ أبي، الذي رحل قبل والدي بعام واحد أخرجني عن المألوف فرثيته: بمرثاة لم تنشر بعد، وسوف أقدمها في هذا التأبين مع والدي وفاء لكليهما ولما بي من كثرة الأسى وعدم القدرة على التأسي أكاد أقول ماقال شاعر النيل حافظ إبراهيم:
إذا تصفحت ديواني لتقرأه وجدت شعر المراثي نصف ديواني
تقبل يا أبتي هذه الإيماءة المتواضعة إلى مقامك الأعلى بين يدي الله في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
إبنك عبد الولي
الشكر والتقدير لأولئك الذي توافدوا لتقديم العزاء من شتى نواح اليمن ومن مختلف الأطياف والهيئآت والمراتب، فاكتضت بهم صنعاء وشاطرونا الحزن.
كما أدعو الله وأشكر المحبين الذين تدفقت رسائلهم البريدية، والألكترونية، وعبر الهواتف المحمولة، ونشروا على صفحات الصحف والمجلات، وعبر أجهزة الإعلام المختلفة. سواء من أبناء اليمن السعيد، والجزيرة العربية قاطبة، أو من بلدان الخليج، ومن بلدان الشام، وبلدان المغرب العربي وأرجو الله أن لا يريهم جميعا مكروها.

تلميذك عبد الولي الشميري